TaRaE3O
6 March 2007, 01:36 PM
تعرف على (الشـروگ) : حکام العراق الجدد وقادة فرق الموت – دراسة مهمة
بقلم : الباحث البرفسور جلال الوزير
الاصول التاريخية
تعرضت طبيعة ونشأة وتركيب المجتمع العراقي الحديث الى هزات كبيرة ادت من جهة الى نزوح العديد من مواطني العراق واستقبال مهاجرين وعلى شكل موجات سكانية , خصوصا بعد عهد اسماعيل الصفوي الذي حكم ايران واحتل العراق وبلوشستان وكذلك في عهد حكم المماليك اضافة الى فيضانات دجلة والفرات وموجات امراض الطاعون التي اما فتكت باعداد هائلة من المواطنين الذين كانوا يقطنون الولايات العراقية على عهد العثمانيين , او ادت الى هجرة اعداد غفيرة من مواطني الشعب العراقي الى الولايات والامارات العثمانية شرق نجد والخليج والى مصر والشام (سوريا ولبنان والاردن وفلسطين) . ولازالت الكثير من العوائل من الاصول العراقية محافظة على القابها العراقية هناك. وترجع اصول المهاجرين الى العراق من بعض الاكراد والاثوريين والنساطرة والارمن عندما جاءت لاجئة للعراق مع الكثير من العوائل الكردية والمسيحية التي كانت تقطن جنوب شرق تركيا وجبال شمال غرب ايران بقرار من عصبة الأمم بسبب الاذى الذي عانت منه تلك العوائل اثناء العمليات العسكرية للحرب العالمية الاولى فتم توطينهم في شمال العراق وفي القرى المسيحية المحيطة بالموصل .
اما المهاجرون من الاصول الشرقية (الشروگية) في جنوب العراق, والاهوار وهي عبارة عن مسطحات مائية ضحلة, وهم اربعة موجات ابتدأت منذ الحكم اسماعيل الصفوي الذي حكم ايران واحتل بلوشستان واجزاء من العراق في القرن السابع عشر , واخرها على عهد شاه ايران محمد رضا بهلوي في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين وباساليب الهجرات البرية والتسلل عبر الزوراق للكويت والعراق . فقد عرف اسماعيل الصفوي باضطهاده لخصومه من الطوائف الدينية وشيوخ العشائر مما دعا العديد من العوائل المتحدرة من تلك الاصول من المناطق الايرانية مثل لورستان والاهواز وبلوشستان وجنوب غرب باكستان وشمال غرب الهند وقسم منهم هاجروا بسبب اضطهاد الصفويين لهم وسكنوا الاهوار العراقية كعبيد لدى الاقطاع.
والموجة الثانية من هجرة الشروقيين للعراق والخليج العربي فتمت في منتصف القرن التاسع عشر ابان حكم المماليك للعراق , اما الموجة الثالثة للهجرة فتمت مع جيش الليفي اثناء احتلال الجنرال البريطاني مود للعراق حيث ارسلتهم حكومة الهند الشرقية البريطانية التي كانت تحكم الهند انذاك , حيث اتوا من شمال الهند - باكستان حاليا وبقوا هم وعوائلهم في مناطق شمال العمارة وجنوب الكوت وشمال الناصرية وجنوب كربلاء . اما الهجرة الرابعة فكانت عبارة عن موجات متقطعة للعوائل المهاجرة التي سبق وان استوطنت الاهواز قادمة من بلوشستان والهند ولورستان مابين الحرب العالمية الثانية ومنتصف عقد الستينيات للقرن العشرين في العراق ومنتصف السبعينيات منه في الخليج العربي .
ومن الجدير ذكره هنا , ان هؤلاء المهاجرين قد انخرطوا في العشائر العراقية التي شغلتهم فلاحين لديها من خلال نظام الدخالة القبلي الذي يجيز للدخيل في اي عشيرة من تغيير اسمه وحمل لقب العشيرة. وكذلك من المهم الاشارة اليه بانه ليست كل العائلات المهاجرة الشيعية هم من الشروقيين فهنالك العائلات من اصول لبنانية وايرانية ميسورة او مثقفة دينيا وفدت باعداد محدودة للعراق لاسباب دينية لتلقي المعرفة في المراجع الدينية او تبوأت مراكز دينية في تلك المراجع. كما هنالك افراد أتوا فرادى او مع عائلاتهم كتجار او كزوار للمراقد الدينية واستوطنوا في المدن المقدسة كالنجف وكربلاء والكاظمية في بغداد .
وتميزت هذه الشريحة بانها كانت تمتلك الوثائق حيث أتمت معاملات التجنس الاصولية بصرف النظر عن انتمائهم للعراق او بلدانهم الاصلية التي وفدوا منها. فلا يعد هؤلاء من الشروقيين البدون والذين يتميزون بعم تيسر وثائق ثبوتية عند هجرتهم او عو عائلاتهم الاصلية للعراق , اصل بلد هجرتهم من شرق العراق من بلوشستان ولورستان والهند وباكستان الى الاهواز ثم العراق والخليج او العراق والخليج مباشرة , وضمن موجات الهجرة الاربعة المعروفة والمشار اليها. يتميزون بلباس خاص للنساء والرجال وقد تغيير تدريجيا مع الاجيال الاحقة شبيه بالباس الهندي , كما يتميزون بلهجة او لكنه خاصة مع تعلمهم العربية .
كما يتميزون بالفقر والبعد عن الثقافة والتمدن , وبانخراطهم في الزراعة ولاحقا في البناء كما يتميزون بعادات غريبة باعطاء ابنائهم اسماء مهينة مثل (مطشر) اي مبعثر و (چلوب) مصغر كلب و (سلبوح) اي دودة او استخدام اسماء التصغير على وزن فعيّل او افعيل , مثل (مچيّن) بمعنى مكان و (ولييد) بمعنى ولد او التصغير الجمعي باستخدام الالف والتاء , مثل (نفطات) اي كمية محددة من النفط . وكذلك يتميزون ببعض المظاهر العرقية التي يصفها بعض علماء الاعراق والبايولوجيا والمشار اليهم في المراجع على النحو التالي , انتمائهم للعرق الاوردي (وليس السامي العربي) حيث يتميزون بما يلي : قصر او القامة الوسط , السمرة الداكنة للبشرة المائلة للصفرة , وعدم وجود إلية الرجل وتسطح القدم , وجحوظ قليل في العين الا ان المظاهر العرقية هذه قد ذابت بسبب المصاهرات على مر الفترة الطويلة لوجودهم في العراق والخليج , وكذلك بسبب مزاوجة الجنود البريطانيين للكثير من النساء الشروقيات في مناطق اهوار العمارة والناصرية , اثناء حملة الجنرال مود لاحتلال العراق ابان الحرب العالمية الاولى وترك الجنود البريطانيين لزوجاتهم مع عائلاتها بعد رحيل القوات البريطانية .
وفي منتصف الاربعينيات من القرن العشرين ساعد رئيس الوزراء في الحكم الملكي صالح جبر على هجرة الكثير من هؤلاء الشروقيين الذين لايحملون اي مستندات او جنسيات او بطاقات تعريف شخصية , الى اطراف بغداد وكان اغلبية سكان هذه المناطق من المهاجرين من ارياف الجنوب لاسباب شتى اما هربا من ظلم الاقطاع او مقتا للحياة الزراعية او هربا من الثأر القبلي او هربا من العدالة .
وكان نصيب الاسد منهم في جانب الرصافة واستوطنوا ما يعرف بمنطقة خلف السدة وهي سد ترابي بارتفاع 10 - 12 متر بناها والي بغداد ناظم باشا مطلع القرن العشرين شرق بغداد حفاظا على بغداد من فيضانات نهري دجلة وديالى وذلك ابتداءً من تخوم ضاحية الاعظمية شمال بغداد وممتدةً حتى منطقة الرستمية على نهر ديالى جنوب بغداد واصبح هذا السد الخط السريع المسمى جسر محمد القاسم , في الثمانينيات من القرن العشرين . حيث بنوا لهم البيوت البسيطة عشوائية دون موافقات اصولية , من الطين واللبن وذلك على طول السدة . وفي عهد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم الذي منحهم الجنسية العراقية اسكنهم في مجمعات سكنية حول بغداد وحول بعض المدن الرئيسية الاخرى للعراق , وعلى حساب السكان الاصليين لبغداد وتلك المدن , حيث ادى ذلك الى تغيير البنية الديموغرافية لبغداد بتطويقها باحياء سكنية من الشروقيين حيث انشأت المجمعات السكنية من جانب الرصافة: حي الامين والفضيلية والعبيدي والشماعية والثورة والحسينية. ومن الكرخ: ابو دشير والدباش والشعلة والحرية والاسكان ودور السود وغيرها .
الشروقيون والشيعة العرب في جنوب العراق
على الرغم من انتماء الشروقيين للمذهب الشيعي الجعفري الا انه من المؤكد هنالك بون شاسع بين الشروقيين والشيعة العرب في جنوب العراق من ناحية الانحدار العرقي والاثني للتكوين الاجتماعي لكلا الشريحتين , فالتكوين الاجتماعي لسكان الجنوب العراقي قبل موجات النازحين والمهاجرين الشروقيين الاولى الى ارض العراق والخليج على عهد دولة اسماعيل الصفوي في القرن السابع عشر والهجرة الثانية في عهد المماليك منتصف القرن التاسع عشر, وقبل منحهم الجنسية وانتشارهم وتغلغلهم في بنية المجتمع العراقي بعد اعلان الجمهورية منتصف القرن العشرين , تتكون من خليط من العشائر العربية الشيعية والسنية المتحدرة من القبائل القحطانية او العدنانية , كال فرعون والعوادي والياسري والجبور- البو ثامر والدليم - البوعلوان وتميم – وسط وشرق دجلة , والسنية كأل السعدون والهاشمي والبو ظاهر.
وكان تمركز الشيعة العرب في غلبيتهم في ما اصطلح عليه الفرات الاوسط – الديوانية والحلة وكربلاء والنجف والمنتفك - الناصرية والسماوة والقرنة والبصرة والامارة (العمارة) والكوت وفي بغداد القديمة في الكرادة مع خليط من السنة والمسيحيين والكاظمية والشواكة مع خليط من السنة. اما السنة الذين كانوا يقطنون في الجنوب فيتمركزون في الحلة – خليط من الشيعة والسنة المنتفك – الناصرية والسماوة – خليط من الشيعة والسنة , البصرة في منطقتي الزبير وابو الخصيب واجزاء من المعقل , والكوت – وهي ايضا خليط من الشيعة والسنة. ويرجع اصل تاريخ الشيعة العرب في العراق منذ بداية الدولة الاموية ومبايعة اهل الكوفة للامام علي ابن ابي طالب ونجله الامام الحسين ابن علي ومعركة كربلاء حيث يتواجد مؤيدو الامامين من الذين شايعوهم وناصروهم. اما العلاقة بين شيعة عرب الجنوب والشروقيين في تلك الفترة فهي علاقة السيد او الحر بالعبد والملاك او الاقطاعي بالفلاح الاجير. حيث كان الشيعة العرب يمثلون العشائر والاقطاعيات المالكة للاراضي الزراعية من الشيوخ وعوائلهم وعمومتهم وانسابهم , اما الشروقيين فيمثلون طبقة الشغيلة الفلاحية لدى شيوخ العشائر والعبيد الرق لدى الاقطاع.
ضرورات الاندماج في مجتمع المهجر العراق
تعتمد الكثير من الدول الاستيطانية مبدأ الهجرة كعامل لرفد البنية الاجتماعية بالاعراق واللاثنيات المختلفة , كما هو الحال مع دول كاميركا الشمالية واميركا اللاتينية واستراليا ونيوزيلاندا وغيرها من العوالم الجديدة التي تم اكتشافها بعد عصر النهضة في اوروبا وعلى اثر بروز ظاهرة الاستعمار او مايسمى تاريخيا بالعصر الكولونيالي الذي تمثل باحتلال الاراضي والقارات الجديدة وضمها لممالك مستكشفيها , وقد استمرت موجات الهجرة لهذه الصقاع الجديدة حتى يومنا هذا ولكن بمعايير مختلفة منها شموليتها لاستقطاب المواطنين من كافة الدول تفضيلها للكوادر المثقفة والعلمية وتفضيلها للكوادر الراسمالية والاستثمارية وتفضيلها للكوادر من اعراق بعينها كالانجلو- ساكسون في الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلاندا والاعراق اللتينية في المكسيك واميركا اللاتينية وهاييتي وارخبيل البحر الكاريبي . كما حددت القوانين في تلك الدول على مبدأ ضرورة الانتماء والولاء للبلد الجديد , الامر الذي وصل الى فرض شروط ومحددات منها عدم السفر من البلد لفترات جاوزت في بعض الدول الاربعة سنوات لحين منح الجنسية , وضرورة تأهيلهم لتطلبات الحياة في دول المهجر كانخراطهم في دورات الزامية لتعلم اللغة وفروض معينة في تعلم تاريخ بلد المهجر وارثه الوطني والثقافي ووصل الامر ببعض الدول الى ضرورة انجاز المهاجر لعمل وطني لبلد المهجر الجديد يثبت ولاءه وانتماءه لبلد المهجر الجديد, من قبيل الانخراط في الخدمة العسكرية او التطوع المؤقت في العمليات العسكرية التي تخوضها الدول محلية واقليمية او دولية , او كتابة المقالات والبحوث والمؤلفات عن البلد الجديد .
الا ان الامر مختلف مع دولة كالعراق وحتى باقي دول الخليج العربي التي تعرضت لهجرات الشروقيين والتي نجد آثارها في المجاميع السكانية المسماة (البدون) في الكويت على سبيل المثال , فالعراق وتلك الدول بلدان غير استيطانية لم يتم استكشافها من ضمن العوالم والقارات المجهولة بل تمتلك حضارة من اعرق حضارات العالم امتدت لستة آلاف عام في عمق التاريخ ولها امتدادات عربية كواحدة من الولايات والامارات العربية التي كانت تابعة للدولة العثمانية. فعندما وفدت الهجرات الاولى للشروقيين وحتى الاعراق والديانات الاخرى في شمال العراق , لم يكن معيار الوطنية والانتماء والولاء للبلد هو الهاجس والمعيار الذي حدد شروط الهجرة ، بسبب وجود الدولة العثمانية واحتلال بلاد فارس للعراق في عهد اسماعيل الصفوي والتي زامنت الهجرات الاولى.
وفي الهجرات المتأخرة في مطلع القرن العشرين والأربعينيات ثم الستينيات والتي كانت تفد خلالها موجات من العوائل المهاجرة الشروقية عبر منافذ لها في مناطق ديزفول وقصر شيرين عن طريق البر ومن امارة المحمرة (الاحواز او الاهواز حاليا) ثم انطلقت هذه الاقوام في هجرة ثانية لاهوار العراق من الموجات التي سبق وان ارتحلت من لورستان جنوب ايران ومن ولايات شمال الهند وبلوشستان والولايات الجنوبية لافغانستان والمتاخمة لبلوشستان الواقعة في جنوب باكستان (الهند سابقا قبل استقلال باكستان) والتي تدين بالديانة الاسلامية وعلى المذهب الشيعي الجعفري .
بقلم : الباحث البرفسور جلال الوزير
الاصول التاريخية
تعرضت طبيعة ونشأة وتركيب المجتمع العراقي الحديث الى هزات كبيرة ادت من جهة الى نزوح العديد من مواطني العراق واستقبال مهاجرين وعلى شكل موجات سكانية , خصوصا بعد عهد اسماعيل الصفوي الذي حكم ايران واحتل العراق وبلوشستان وكذلك في عهد حكم المماليك اضافة الى فيضانات دجلة والفرات وموجات امراض الطاعون التي اما فتكت باعداد هائلة من المواطنين الذين كانوا يقطنون الولايات العراقية على عهد العثمانيين , او ادت الى هجرة اعداد غفيرة من مواطني الشعب العراقي الى الولايات والامارات العثمانية شرق نجد والخليج والى مصر والشام (سوريا ولبنان والاردن وفلسطين) . ولازالت الكثير من العوائل من الاصول العراقية محافظة على القابها العراقية هناك. وترجع اصول المهاجرين الى العراق من بعض الاكراد والاثوريين والنساطرة والارمن عندما جاءت لاجئة للعراق مع الكثير من العوائل الكردية والمسيحية التي كانت تقطن جنوب شرق تركيا وجبال شمال غرب ايران بقرار من عصبة الأمم بسبب الاذى الذي عانت منه تلك العوائل اثناء العمليات العسكرية للحرب العالمية الاولى فتم توطينهم في شمال العراق وفي القرى المسيحية المحيطة بالموصل .
اما المهاجرون من الاصول الشرقية (الشروگية) في جنوب العراق, والاهوار وهي عبارة عن مسطحات مائية ضحلة, وهم اربعة موجات ابتدأت منذ الحكم اسماعيل الصفوي الذي حكم ايران واحتل بلوشستان واجزاء من العراق في القرن السابع عشر , واخرها على عهد شاه ايران محمد رضا بهلوي في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين وباساليب الهجرات البرية والتسلل عبر الزوراق للكويت والعراق . فقد عرف اسماعيل الصفوي باضطهاده لخصومه من الطوائف الدينية وشيوخ العشائر مما دعا العديد من العوائل المتحدرة من تلك الاصول من المناطق الايرانية مثل لورستان والاهواز وبلوشستان وجنوب غرب باكستان وشمال غرب الهند وقسم منهم هاجروا بسبب اضطهاد الصفويين لهم وسكنوا الاهوار العراقية كعبيد لدى الاقطاع.
والموجة الثانية من هجرة الشروقيين للعراق والخليج العربي فتمت في منتصف القرن التاسع عشر ابان حكم المماليك للعراق , اما الموجة الثالثة للهجرة فتمت مع جيش الليفي اثناء احتلال الجنرال البريطاني مود للعراق حيث ارسلتهم حكومة الهند الشرقية البريطانية التي كانت تحكم الهند انذاك , حيث اتوا من شمال الهند - باكستان حاليا وبقوا هم وعوائلهم في مناطق شمال العمارة وجنوب الكوت وشمال الناصرية وجنوب كربلاء . اما الهجرة الرابعة فكانت عبارة عن موجات متقطعة للعوائل المهاجرة التي سبق وان استوطنت الاهواز قادمة من بلوشستان والهند ولورستان مابين الحرب العالمية الثانية ومنتصف عقد الستينيات للقرن العشرين في العراق ومنتصف السبعينيات منه في الخليج العربي .
ومن الجدير ذكره هنا , ان هؤلاء المهاجرين قد انخرطوا في العشائر العراقية التي شغلتهم فلاحين لديها من خلال نظام الدخالة القبلي الذي يجيز للدخيل في اي عشيرة من تغيير اسمه وحمل لقب العشيرة. وكذلك من المهم الاشارة اليه بانه ليست كل العائلات المهاجرة الشيعية هم من الشروقيين فهنالك العائلات من اصول لبنانية وايرانية ميسورة او مثقفة دينيا وفدت باعداد محدودة للعراق لاسباب دينية لتلقي المعرفة في المراجع الدينية او تبوأت مراكز دينية في تلك المراجع. كما هنالك افراد أتوا فرادى او مع عائلاتهم كتجار او كزوار للمراقد الدينية واستوطنوا في المدن المقدسة كالنجف وكربلاء والكاظمية في بغداد .
وتميزت هذه الشريحة بانها كانت تمتلك الوثائق حيث أتمت معاملات التجنس الاصولية بصرف النظر عن انتمائهم للعراق او بلدانهم الاصلية التي وفدوا منها. فلا يعد هؤلاء من الشروقيين البدون والذين يتميزون بعم تيسر وثائق ثبوتية عند هجرتهم او عو عائلاتهم الاصلية للعراق , اصل بلد هجرتهم من شرق العراق من بلوشستان ولورستان والهند وباكستان الى الاهواز ثم العراق والخليج او العراق والخليج مباشرة , وضمن موجات الهجرة الاربعة المعروفة والمشار اليها. يتميزون بلباس خاص للنساء والرجال وقد تغيير تدريجيا مع الاجيال الاحقة شبيه بالباس الهندي , كما يتميزون بلهجة او لكنه خاصة مع تعلمهم العربية .
كما يتميزون بالفقر والبعد عن الثقافة والتمدن , وبانخراطهم في الزراعة ولاحقا في البناء كما يتميزون بعادات غريبة باعطاء ابنائهم اسماء مهينة مثل (مطشر) اي مبعثر و (چلوب) مصغر كلب و (سلبوح) اي دودة او استخدام اسماء التصغير على وزن فعيّل او افعيل , مثل (مچيّن) بمعنى مكان و (ولييد) بمعنى ولد او التصغير الجمعي باستخدام الالف والتاء , مثل (نفطات) اي كمية محددة من النفط . وكذلك يتميزون ببعض المظاهر العرقية التي يصفها بعض علماء الاعراق والبايولوجيا والمشار اليهم في المراجع على النحو التالي , انتمائهم للعرق الاوردي (وليس السامي العربي) حيث يتميزون بما يلي : قصر او القامة الوسط , السمرة الداكنة للبشرة المائلة للصفرة , وعدم وجود إلية الرجل وتسطح القدم , وجحوظ قليل في العين الا ان المظاهر العرقية هذه قد ذابت بسبب المصاهرات على مر الفترة الطويلة لوجودهم في العراق والخليج , وكذلك بسبب مزاوجة الجنود البريطانيين للكثير من النساء الشروقيات في مناطق اهوار العمارة والناصرية , اثناء حملة الجنرال مود لاحتلال العراق ابان الحرب العالمية الاولى وترك الجنود البريطانيين لزوجاتهم مع عائلاتها بعد رحيل القوات البريطانية .
وفي منتصف الاربعينيات من القرن العشرين ساعد رئيس الوزراء في الحكم الملكي صالح جبر على هجرة الكثير من هؤلاء الشروقيين الذين لايحملون اي مستندات او جنسيات او بطاقات تعريف شخصية , الى اطراف بغداد وكان اغلبية سكان هذه المناطق من المهاجرين من ارياف الجنوب لاسباب شتى اما هربا من ظلم الاقطاع او مقتا للحياة الزراعية او هربا من الثأر القبلي او هربا من العدالة .
وكان نصيب الاسد منهم في جانب الرصافة واستوطنوا ما يعرف بمنطقة خلف السدة وهي سد ترابي بارتفاع 10 - 12 متر بناها والي بغداد ناظم باشا مطلع القرن العشرين شرق بغداد حفاظا على بغداد من فيضانات نهري دجلة وديالى وذلك ابتداءً من تخوم ضاحية الاعظمية شمال بغداد وممتدةً حتى منطقة الرستمية على نهر ديالى جنوب بغداد واصبح هذا السد الخط السريع المسمى جسر محمد القاسم , في الثمانينيات من القرن العشرين . حيث بنوا لهم البيوت البسيطة عشوائية دون موافقات اصولية , من الطين واللبن وذلك على طول السدة . وفي عهد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم الذي منحهم الجنسية العراقية اسكنهم في مجمعات سكنية حول بغداد وحول بعض المدن الرئيسية الاخرى للعراق , وعلى حساب السكان الاصليين لبغداد وتلك المدن , حيث ادى ذلك الى تغيير البنية الديموغرافية لبغداد بتطويقها باحياء سكنية من الشروقيين حيث انشأت المجمعات السكنية من جانب الرصافة: حي الامين والفضيلية والعبيدي والشماعية والثورة والحسينية. ومن الكرخ: ابو دشير والدباش والشعلة والحرية والاسكان ودور السود وغيرها .
الشروقيون والشيعة العرب في جنوب العراق
على الرغم من انتماء الشروقيين للمذهب الشيعي الجعفري الا انه من المؤكد هنالك بون شاسع بين الشروقيين والشيعة العرب في جنوب العراق من ناحية الانحدار العرقي والاثني للتكوين الاجتماعي لكلا الشريحتين , فالتكوين الاجتماعي لسكان الجنوب العراقي قبل موجات النازحين والمهاجرين الشروقيين الاولى الى ارض العراق والخليج على عهد دولة اسماعيل الصفوي في القرن السابع عشر والهجرة الثانية في عهد المماليك منتصف القرن التاسع عشر, وقبل منحهم الجنسية وانتشارهم وتغلغلهم في بنية المجتمع العراقي بعد اعلان الجمهورية منتصف القرن العشرين , تتكون من خليط من العشائر العربية الشيعية والسنية المتحدرة من القبائل القحطانية او العدنانية , كال فرعون والعوادي والياسري والجبور- البو ثامر والدليم - البوعلوان وتميم – وسط وشرق دجلة , والسنية كأل السعدون والهاشمي والبو ظاهر.
وكان تمركز الشيعة العرب في غلبيتهم في ما اصطلح عليه الفرات الاوسط – الديوانية والحلة وكربلاء والنجف والمنتفك - الناصرية والسماوة والقرنة والبصرة والامارة (العمارة) والكوت وفي بغداد القديمة في الكرادة مع خليط من السنة والمسيحيين والكاظمية والشواكة مع خليط من السنة. اما السنة الذين كانوا يقطنون في الجنوب فيتمركزون في الحلة – خليط من الشيعة والسنة المنتفك – الناصرية والسماوة – خليط من الشيعة والسنة , البصرة في منطقتي الزبير وابو الخصيب واجزاء من المعقل , والكوت – وهي ايضا خليط من الشيعة والسنة. ويرجع اصل تاريخ الشيعة العرب في العراق منذ بداية الدولة الاموية ومبايعة اهل الكوفة للامام علي ابن ابي طالب ونجله الامام الحسين ابن علي ومعركة كربلاء حيث يتواجد مؤيدو الامامين من الذين شايعوهم وناصروهم. اما العلاقة بين شيعة عرب الجنوب والشروقيين في تلك الفترة فهي علاقة السيد او الحر بالعبد والملاك او الاقطاعي بالفلاح الاجير. حيث كان الشيعة العرب يمثلون العشائر والاقطاعيات المالكة للاراضي الزراعية من الشيوخ وعوائلهم وعمومتهم وانسابهم , اما الشروقيين فيمثلون طبقة الشغيلة الفلاحية لدى شيوخ العشائر والعبيد الرق لدى الاقطاع.
ضرورات الاندماج في مجتمع المهجر العراق
تعتمد الكثير من الدول الاستيطانية مبدأ الهجرة كعامل لرفد البنية الاجتماعية بالاعراق واللاثنيات المختلفة , كما هو الحال مع دول كاميركا الشمالية واميركا اللاتينية واستراليا ونيوزيلاندا وغيرها من العوالم الجديدة التي تم اكتشافها بعد عصر النهضة في اوروبا وعلى اثر بروز ظاهرة الاستعمار او مايسمى تاريخيا بالعصر الكولونيالي الذي تمثل باحتلال الاراضي والقارات الجديدة وضمها لممالك مستكشفيها , وقد استمرت موجات الهجرة لهذه الصقاع الجديدة حتى يومنا هذا ولكن بمعايير مختلفة منها شموليتها لاستقطاب المواطنين من كافة الدول تفضيلها للكوادر المثقفة والعلمية وتفضيلها للكوادر الراسمالية والاستثمارية وتفضيلها للكوادر من اعراق بعينها كالانجلو- ساكسون في الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلاندا والاعراق اللتينية في المكسيك واميركا اللاتينية وهاييتي وارخبيل البحر الكاريبي . كما حددت القوانين في تلك الدول على مبدأ ضرورة الانتماء والولاء للبلد الجديد , الامر الذي وصل الى فرض شروط ومحددات منها عدم السفر من البلد لفترات جاوزت في بعض الدول الاربعة سنوات لحين منح الجنسية , وضرورة تأهيلهم لتطلبات الحياة في دول المهجر كانخراطهم في دورات الزامية لتعلم اللغة وفروض معينة في تعلم تاريخ بلد المهجر وارثه الوطني والثقافي ووصل الامر ببعض الدول الى ضرورة انجاز المهاجر لعمل وطني لبلد المهجر الجديد يثبت ولاءه وانتماءه لبلد المهجر الجديد, من قبيل الانخراط في الخدمة العسكرية او التطوع المؤقت في العمليات العسكرية التي تخوضها الدول محلية واقليمية او دولية , او كتابة المقالات والبحوث والمؤلفات عن البلد الجديد .
الا ان الامر مختلف مع دولة كالعراق وحتى باقي دول الخليج العربي التي تعرضت لهجرات الشروقيين والتي نجد آثارها في المجاميع السكانية المسماة (البدون) في الكويت على سبيل المثال , فالعراق وتلك الدول بلدان غير استيطانية لم يتم استكشافها من ضمن العوالم والقارات المجهولة بل تمتلك حضارة من اعرق حضارات العالم امتدت لستة آلاف عام في عمق التاريخ ولها امتدادات عربية كواحدة من الولايات والامارات العربية التي كانت تابعة للدولة العثمانية. فعندما وفدت الهجرات الاولى للشروقيين وحتى الاعراق والديانات الاخرى في شمال العراق , لم يكن معيار الوطنية والانتماء والولاء للبلد هو الهاجس والمعيار الذي حدد شروط الهجرة ، بسبب وجود الدولة العثمانية واحتلال بلاد فارس للعراق في عهد اسماعيل الصفوي والتي زامنت الهجرات الاولى.
وفي الهجرات المتأخرة في مطلع القرن العشرين والأربعينيات ثم الستينيات والتي كانت تفد خلالها موجات من العوائل المهاجرة الشروقية عبر منافذ لها في مناطق ديزفول وقصر شيرين عن طريق البر ومن امارة المحمرة (الاحواز او الاهواز حاليا) ثم انطلقت هذه الاقوام في هجرة ثانية لاهوار العراق من الموجات التي سبق وان ارتحلت من لورستان جنوب ايران ومن ولايات شمال الهند وبلوشستان والولايات الجنوبية لافغانستان والمتاخمة لبلوشستان الواقعة في جنوب باكستان (الهند سابقا قبل استقلال باكستان) والتي تدين بالديانة الاسلامية وعلى المذهب الشيعي الجعفري .